فخر الدين الرازي
531
مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث )
اعلم أن القراءة المعروفة يخرج لنا بضم الياء وكسر الراء ، تنبت بضم التاء وكسر الباء ، وقرأ زيد بن علي بفتح الياء وضم الراء ، تنبت بفتح التاء وضم الباء ، ثم اعلم أن أكثر الظاهريين من المفسرين زعموا أن ذلك السؤال كان معصية ، وعندنا أنه ليس الأمر كذلك ، والدليل عليه أن قوله تعالى : كُلُوا وَاشْرَبُوا من قبل هذه الآية عند إنزال المن والسلوى ليس بإيجاب بل هو إباحة ، وإذا كان كذلك لم يكن قولهم : لَنْ نَصْبِرَ عَلى طَعامٍ واحِدٍ فَادْعُ لَنا رَبَّكَ معصية لأن من أبيح له ضرب من الطعام يحسن منه أن يسأل غير ذلك إما بنفسه أو على لسان الرسول ، فلما كان عندهم أنهم إذا سألوا موسى أن يسأل ذلك من ربه كان الدعاء أقرب إلى الإجابة جاز لهم ذلك ولم يكن فيه معصية . [ في هذه الآية مسائل ] [ المسألة الأولى ] واعلم أن سؤال النوع الآخر من الطعام يحتمل أن يكون لأغراض : الأول : أنهم لما تناولوا ذلك النوع الواحد أربعين سنة ملوه فاشتهوا غيره ، الثاني : لعلهم في أصل الخلقة ما تعودوا ذلك النوع وإنما تعودوا سائر الأنواع ورغبة الإنسان فيما اعتاده في أصل التربية وإن كان / خسيساً فوق رغبته فيما لم يعتده وإن كان شريفاً . الثالث : لعلهم ملوا من البقاء في التيه فسألوا هذه الأطعمة التي لا توجد إلا في البلاد وغرضهم الوصول إلى البلاد لا نفس تلك الأطعمة . الرابع : أن المواظبة على الطعام الواحد سبب لنقصان الشهوة وضعف الهضم وقلة الرغبة والاستكثار من الأنواع يعين على تقوية الشهوة وكثرة الالتذاذ ، فثبت أن تبديل النوع بالنوع يصلح أن يكون مقصود العقلاء ، وثبت أنه ليس في القرآن ما يدل على أنهم كانوا ممنوعين عنه ، فثبت أن هذا القدر لا يجوز أن يكون معصية ، ومما يؤكد ذلك أن قوله تعالى : اهْبِطُوا مِصْراً فَإِنَّ لَكُمْ ما سَأَلْتُمْ كالإجابة لما طلبوا ولو كانوا عاصين في ذلك السؤال لكانت الإجابة إليه معصية وهي غير جائزة على الأنبياء ، لا يقال : إنهم لما أبوا شيئاً اختاره اللّه لهم أعطاهم عاجل ما سألوه كما قال : وَمَنْ كانَ يُرِيدُ حَرْثَ الدُّنْيا نُؤْتِهِ مِنْها [ الشورى : 20 ] لأنا نقول هذا خلاف الظاهر ، واحتجوا على أن ذلك السؤال كان معصية بوجوه . الأول : أن قولهم : لَنْ نَصْبِرَ عَلى طَعامٍ واحِدٍ دلالة على أنهم كرهوا إنزال المن والسلوى وتلك الكراهة معصية ، الثاني : أن قول موسى عليه السلام : أَ تَسْتَبْدِلُونَ الَّذِي هُوَ أَدْنى بِالَّذِي هُوَ خَيْرٌ استفهام على سبيل الإنكار ، وذلك يدل على كونه معصية . الثالث : أن موسى عليه السلام وصف ما سألوه بأنه أدنى وما كانوا عليه بأنه خير وذلك يدل على ما قلناه ، والجواب عن الأول : أنه ليس تحت قولهم : لَنْ نَصْبِرَ عَلى طَعامٍ واحِدٍ دلالة على أنهم ما كانوا راضين به فقط ، بل اشتهوا شيئاً آخر ، ولأن قولهم : لَنْ نَصْبِرَ إشارة إلى المستقبل لأن كلمة لن للنفي في المستقبل فلا يدل على أنهم سخطوا الواقع ، وعن الثاني : أن الاستفهام على سبيل الإنكار قد يكون لما فيه من تفويت الأنفع في الدنيا وقد يكون لما فيه من تفويت الأنفع في الآخرة ، وعن الثالث : بقريب من ذلك ، فإن الشيء قد يوصف بأنه خير من حيث كان الانتفاع به حاضراً متيقناً ومن حيث إنه يحصل عفواً بلا كد كما يقال ذلك في الحاضر ، فقد يقال في الغائب المشكوك فيه : إنه أدنى من حيث لا يتيقن ومن حيث لا يوصل إليه إلا بالكد ، فلا يمتنع أن يكون مراده : أَ تَسْتَبْدِلُونَ الَّذِي هُوَ أَدْنى بِالَّذِي هُوَ خَيْرٌ هذا المعنى أو بعضه فثبت